حجاب المطلق: الجبل الذي رحل

حجاب المطلق: الجبل الذي رحل

 

أنجبت منطقة حائل أحد أعظم الحراس في تاريخ كرة القدم؛ محمد الدعيع حامي عرين المنتخب السعودي في 178 مباراة دولية. ولكن حارسًا آخر لا يقل أهمية أنجبته حائل اسمه حجاب المطلق الشمري، كان نجمًا في ميدان مختلف يذود عن آثار بلاده المنقوشة على جبل أم سنمان في مدينة جبة التي تبعد 100 كلم شمال غرب حائل. 

المكان الذي يعد من "أكثر الأماكن إثارة للفضول على وجه الأرض" بحد وصف السيدة "آن بلانت"، حفيدة الشاعر الإنجليزي "جورج بايرون" حينما زارت المنطقة برفقة زوجها عام 1879م. 

تلك الزيارة كانت قبل حياة "حجاب المطلق" بقرابة 35 عامًا، ولكن مدينة جبة منذ ذلك الحين وهي مقصد الرحالة الذين رافقهم "حجاب" في استكشاف أسرار النقوش الثمودية المرسومة على صخور جبل أم سنمان الصامتة، والتي تنقل حكايات حضارات مختلفة تركت بصماتها في أرجاء المكان.

ب

البريطانية آن بلانت عاشقة الخيول العربية في زيارتها للمنطقة عام 1879م

 

قبل احتراف الحراسة

وجد "حجاب" نفسه يتيمًا بعد أن فقد والدته وهو في الثانية من عمره، ونشأ في كنف أبيه مرافقًا له في أعمال الفلاحة، قبل أن ينتقل إلى عرعر للعمل في "التابلاين" أكبر خط أنابيب متدفق لنقل النفط في العالم، إلا أن هناك جريان أكبر كان يسري في جسده، وحنين يحثه على العودة إلى مسقط رأسه، حتى تمكن منه وعاد بعد سنوات قليلة قضاها في عرعر، جمع فيها ما يكفيه من مال ليبدأ تجارته في بيع الحنطة. 

حجاب المطلق كغيره من أبناء جيله تقلب في سنوات حياته بين عدة مهن، قبل أن يحترف حراسة الجبل الأشهر في جبة، ضمن فريق وكالة الآثار والمتاحف بوزارة التربية والتعليم آنذاك.
 

من الفائز في هذه المباراة؟ 

نظرًا لما يحتويه جبل أم سنمان -المسجل منذ عام 2015 في قائمة التراث العالمي لليونسكو- من آلاف النقوش التي تعود للحقبة الثمودية، لم تكن مهمة حارس الجبل سهلة، إلا أنه كان يقوم بها برحابة وحزم، ساعة في حماية الجبل من الأيدي المتطفلة العابثة، وأخرى في حسن استقبال رواده والمستكشفين. 

"كنت مع زوجتي في سباق يومي لإكرام ضيوف جبة والجبل.. أنا في إعداد القهوة وهي في تحضير الرغيف والفائز من ينتهي أولًا"؛ هكذا يصف "حجاب" يومياته في استقبال زوار الجبل من علماء الآثار والباحثين عن النقوش من شتى أنحاء العالم، في منزل لا يغلق بابه وموقد لم تطفأ ناره منذ عقود.

 

مجلس حجاب

مجلس حجاب المطلق في استقبال إحدى البعثات السياحية


على قدوم الضيف، يعطي بشارة

يتتابع العداؤون حاملين شعلة قبست نارها من نار أوقدت في وادي أولمبيا باليونان، تنتقل من يد إلى أخرى حتى تصل إلى العداء الأخير، يدخل مضمار الأستاد ويعلن عن بدء دورة ألعاب أولمبية جديدة. هذا العرف الأولمبي تقابله عادة حائلية متوارثة وهي "الشبة" ولكنها تنتقل عبر الأجيال من الأجداد إلى الأبناء إلى الأحفاد، وللناس فيما يشعلون مذاهب.

و"الشبة" هي المكان المعد لاستقبال الضيوف والذي توقد فيه النار؛ وكان لحجاب المطلق "شبة" شهيرة يحرص على أن لا تنطفئ جذوتها من سنين طويلة وعرف بأنه كان ينام في "المحكمة" وهي المكان المحاذي للوجار، خوفًا من أن يأتيه زائر وتفوت عليه فرصة ضيافته.

الشاعر سالم الشمري وهو من سكان حائل دفعه هذا المشهد ليكتب هذه الأبيات:

نيم على مركاه عند المباهير

من خوف لا يأتيه رجل بزيارة

وإن جاه ضيفٍ عابرٍ من هل الخير

يقوم قومة قرم في وسط غارة

شيخ كريم ولا يهاب المخاسير

مبطي على درب السخا شب ناره

يفرح ويطرب لا لفوه المسايير

وعلى قدوم الضيف يعطي بشارة

يظهر حجاب المطلق وقد غلبه النعاس بجوار شبة النار
يظهر حجاب المطلق وقد غلبه النعاس بجوار شبة النار

 
هل ترحل الجبال؟

تحكي الأسطورة أن "طمية" أحبت "سنام" وهما جبلان أشمان من جبال جزيرة العرب، فاختصما ذات ليلة وغضب "سنام" وفي ليلة غاب عنها القمر ولى وهرب. وقيل أن مساره هو الذي شكل وادي الرمة العظيم الذي ينتهي بنهاية جبل سنام على حدود الكويت.

ويروي حجاب المطلق أنه قبل أكثر من 50 عامًا شُكلت لجنة لدراسة أوضاع الخدمات في جبة وكان من ضمن مقترحاتها نقل البلدة إلى مكان قريب من حائل لتوفير الاحتياجات اللازمة للسكان. إلا أن رد الأهالي كان مفاجئًا: "نحن سنقوم بنقل المنازل والنخل، ولكن من ينقل لنا هذا الجبل؟!"

وفي الرابع عشر من شهر رمضان 1442هـ ودّعت جبة أحد أعلامها حارس آثارها حجاب المطلق عن عمر تجاوز المائة عام.

قصة

آخر تحديث: 10 مايو 2021